.. وبجد إنتِ أحلى من القمر كمان. ازداد خجلها واحمرت وجنتاها تحت الخوذة، ثم قالت بصوت خافت:_ إنت اللي عينك حلوة، علشان كده شايفني كده. كانت فتاة بسيطة، متوسطة الجمال، لكنها تملك روحًا نقية ووجهًا هادئًا يبعث الراحة في القلب. لكن صوتًا أنثويًا قطع عليها ذكرياتها فجأة: _يااا هيام.
.. يلا يا بنتي علشان الطابونة متتزحمش. انتبهت هيام على صوت أمل، زوجة أبيها، التي عاملتها دائمًا كابنتها تمامًا. أجابت هيام بسرعة وهي تنظر من خلال مرئاتها: حاضر يا ماما... جاية أهو. ثم عدلت حجابها واتجهت نحوها قائلة: _ أنا هجيب العيش وأعدي على المطعم أجيب الفطار.
.. عايزة حاجة تانية؟ابتسمت أمل بحنان: _ربنا يرضى عنك يا بنتي... بس عدي كمان على مرات عمك شوفيها ناقصها حاجة ولا لأ. أومأت هيام بحبور، فهي في الأصل كانت تنوي المرور على فريدة، لعلها ترى سامر ولو للحظة. قالت: _حاضر... أصل النهاردة عندهم عزومة، أكيد محتاجين حاجة.
ضحكت أمل: طبعًا... أمبارح كنت بلف معاها المحشي. الست عاملة كل الأصناف علشان عيالها. ثم تنهدت بأسف وقالت:_ والله يا بنتي الست دي طيبة زيادة عن اللزوم... ولادها متعلمين ومراكزهم حلوة، بس قدام مراتاتهم شخصيتهم ضعيفة.
شعرت هيام بالحزن، فهي ترى بنفسها كيف تُعامل فريدة أحيانًا بجفاء لا تستحقه، رغم أنها لا تتوقف عن خدمتهم وإرضائهم. خرجت بعدها متجهة إلى بيت عمها، وقلبها يدق بأمل صغير...فقط تريد أن تراه. أن تنظر في عينيه مرة واحدة، وتفهم لماذا ابتعد عنها فجأة، بعدما كان يومًا أقرب الناس إليها.
ليست كل الخيبات تأتي من الأغراب، فبعضها يولد داخل البيوت التي أفنينا أعمارنا نبني دفئها بأيدينا، حتى إذا ما اشتد بنا التعب اكتشفنا أننا نقف وحدنا أمام جدران باردة لا تشبه ما حلمنا به يومًا.
كانت فريدة تظن أن سنوات التضحية الطويلة كفيلة بأن تزرع داخل قلوب أبنائها شيئًا من الوفاء، وأن ذلك البيت الذي جمعت شتاته بعد رحيل زوجها سيظل عامرًا بالمحبة مهما تبدلت الظروف. لكنها مع مرور الأيام بدأت تدرك أن الزمن قادر على تغيير النفوس، وأن الأولاد الذين كانوا يلتفون حولها يومًا صار لكل منهم عالمه الخاص الذي لا مكان لها فيه إلا عند الحاجة.
وبرغم ذلك، ظل قلبها معلقًا بأصغر أبنائها، سامر، ذلك الصغير الذي كان الأقرب إليها، والأكثر تعلقًا بها، حتى خُيل إليها أنه سيبقى دائمًا سندها الأخير في هذه الدنيا.
كانت ترى فيه بقايا الأمان الذي تركه زوجها الراحل، وتحلم أن تشهد يوم زفافه على ابنة عمه هيام، الفتاة التي كبرت بينهم، وحملت داخل قلبها حبًا صادقًا له منذ سنوات طويلة. لكن الأحلام أحيانًا تتبدل بصمت، دون أن نشعر.
فها هو سامر يقف اليوم أمام والدته بقرار جديد، يخفي خلفه أسرارًا لم تعلم بها، ويضعها للمرة الأولى أمام حقيقة مؤلمة؛ أن القلوب قد تتغير، وأن أكثر الأشخاص قربًا منا قد يصبحون يومًا أبعدهم عن فهم ما نشعر به.
ينتهي سامر من تناول الطعام بعجالة، ثم يتوجه إليها بالحديث، والخزي ظاهر فوق ملامحه وهو يقول بصوت منخفض:_ماما... أنا آسف على الموقف ده. كان لازم أنا اللي أقولك كل حاجة من الأول... بس دي حياتي، وأنا معملتش حاجة غلط غير إني خبيت عليكي موقفي وتصرفي، وده بس لأنك مصممة على هيام، وإنتِ عارفة إني مش موافق على الارتباط بيها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.