لذلك حاولت أن تخفف عنها:_ بس هو بيحبك وبيخاف عليكم يا حبيبتي، وعمره ما قصر معاكم. قالت رهف بتذمر طفولي:_ عارفة... بس متملك أوي، وبيغير زيادة عن اللزوم. ابتسمت فريدة على طريقتها، ثم قالت بحنان: _ يا روفي... الحب ساعات بيكون خوف زيادة شوية.
حاولي تحتويه وتفهميه، الحياة بينكم لازم تمشي بالمودة والتفاهم، مش كل حاجة تتاخد بعصبية. أومأت رهف برأسها مقتنعة، فهي وحدها تعلم كم كانت نصائح أمها تنقذ بيتها من كثير من الخلافات، ثم قالت بامتنان:_ والله يا ماما من غيرك مكنتش هعرف أعيش.
اغرورقت عينا فريدة بالدموع وهي تهمس: — ربنا ما يحرمنيش منكوا أبدًا يا بنتي. ثم سألتها رهف فجأة: _ صحيح يا ماما... فين إخواتي؟ محدش جنبك ليه؟تغيرت ملامح فريدة للحظة قصيرة، لكنها سرعان ما أخفت ألمها خلف ابتسامة هادئة.
كانت تتذكر اتفاق أبنائها قديمًا ألا يتركوها وحدها، وأن يتناوبوا على زيارتها ورعايتها، لكن الحياة أخذتهم واحدًا تلو الآخر، حتى صار السؤال عنها مجرد مكالمة سريعة أو رسالة مقتضبة. أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بهدوء مصطنع:_ كلهم بخير يا حبيبتي... وهييجوا على الغدا إن شاء الله.
إنتِ عارفة ظروفهم وشغلهم. لكن رهف شعرت بما تحاول أمها إخفاءه، فازداد حزنها عليها، وتمنت لو أن المسافات لم تبعدها عن حضن أمها في مثل هذه الأيام. حاولت تغيير الحديث سريعًا حتى لا تفضح حزنها، فقالت بابتسامة خفيفة: _ أكيد عاملة وليمة بقى؟
ضحكت فريدة أخيرًا، ضحكة حقيقية خرجت من قلبها وهي تتذكر ما يحبه كل واحد من أبنائها: — طبعًا... عاملة محشي الكرنب لكيمو، والباذنجان لرأفت، وورق العنب لسامر، والكوسة والفلفل لأختك ابتهال. ثم أضافت بأسف صادق: _يا ريتك كنتِ هنا إنتِ كمان... كنتِ شاركتي سامر في ورق العنب، عارفة قد إيه بتحبيه. ابتسمت رهف بحنين موجع: _ تسلم إيدك يا أمي.
.. خلاص، قربت الأجازة، وهجيلك وأقعد في حضنك كمان. حينها فقط شعرت فريدة أن قلبها هدأ قليلًا، ولو للحظات قصيرة، قبل أن تعود الوحدة فتجلس بجوارها من جديد. أجابتها الأم بحبور واضح:_ لا يا حبيبتي، تعالي إنتِ بس وملكِيش دعوة بأي حاجة. أنا بخلي أم سعد، جارتنا، تشتريلي كل اللي محتاجاه متوضب وجاهز للحشو، والست بصراحة مبتتأخرش أبدًا، ومرات ابنها سعد بتجيبلي الطلبات لحد البيت، ربنا يسعدهم زي ما بيساعدوني.
ثم أكملت بابتسامة ممتنة لبعض احبائها:_ وكمان هيام ومرات عمك بيساعدوني كتير و معايا على طول.
ظلت تتجاذب أطراف الحديث مع ابنتها، تبثها حنانها من خلف شاشة الهاتف، بينما قلبها يتوق لاحتضانها ولملامسة وجهها الذي اشتاقت لكل تفصيلة فيه. كانت رهف الوحيدة التي ما زالت تمنحها شعور الأمومة الحقيقي، رغم المسافات والغربة التي تفصل بينهما. استمر حديثهما لأكثر من ساعة، حتى استيقظ شاب متوسط الطول، وسيم الملامح إلى حد كبير، يرتدي ملابس منزلية بسيطة، وشعره مبعثر من أثر النوم.
اقترب من والدته ليظهر خلفها في إطار المكالمة، ثم بدأ يداعب أخته بنظراته المرحة وهو يلوح لها بيديه: _روفي الجميلة عاملة إيه؟ وحشتيني. بادلته رهف النظرات نفسها، ثم غمزت له بمشاكسة: _سمور عامل إيه يا راجل؟ إيه اللي صحاك بدري كده؟
كنت لسه هقطع في فروتك مع ماما. لوّح سامر بيديه باعتراض ساخر:_يا ساتر يا رب! مش هتسبوني في حالي إنتِ والست الوالدة؟! أنا بقولك عاملة إيه يا رخمة، تقوليلي هقطع في فروتك؟ خسارة فيكي السؤال أصلًا.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.