أولاد فريدة ١

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

كانت السيدة فريدة تجلس في ركن غرفتها الصغير، تضم طرف شالها بين أصابع مرتجفة، بينما عيناها معلقتان في الفراغ وكأنهما تبحثان عن شيء ضاع منها منذ سنوات طويلة. كان الليل ساكنًا من حولها، إلا أن ضجيج الذكريات بداخلهـا كان أعلى من أي صوت. تنهدت ببطء، ثم أغمضت عينيها لتسحبها الذاكرة إلى زمن بعيد، زمن لم تستطع الهروب منه مهما حاولت.

كانت فريدة تجلس وحدها في صمت ثقيل، كأن المكان قد انكمش حولها ليحاصرها داخل دائرة من الذكريات التي لا تهدأ. الضوء الخافت في الغرفة كان ينسحب ببطء على الجدران، بينما ظل عقلها عالقًا في أماكن بعيدة لا يصل إليها الحاضر. لم تكن ترى ما حولها بقدر ما كانت ترى ما بداخلها؛

صور قديمة تتقاطع، وأصوات غائبة تعود بلا استئذان، ووجع لم يبهت مهما مر عليه الزمن. منذ سنوات طويلة، تعلمت فريدة أن بعض اللحظات لا تموت، بل تتحول إلى جزء ثابت من الروح، يوقظك في أكثر الأوقات هدوءًا ويأخذك إلى حيث لا تريد.

كانت تحاول دائمًا أن تبدو قوية، أن تمضي في حياتها كما لو أن شيئًا لم يحدث، لكنها في كل مرة تغلق فيها عينيها، يعود ذلك اليوم بكل تفاصيله، بكل صوته، وبكل الألم الذي تركه خلفه. اليوم، وبينما تجلس بهذا السكون، شعرت أن الذاكرة تفتح أبوابها من جديد دون رحمة.

لم تستطع المقاومة، ولم تحاول حتى. فقط أطلقت لنفسها العنان لتسقط مرة أخرى في ذلك الماضي الذي غير حياتها إلى الأبد… إلى اليوم الذي بدأت فيه النهاية دون أن تدري فخمسة من الأبناء لم يستطيعوا الحفاظ عليها في زمن قل فيه البر. عودة إلى الماضي...

منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، كانت تقف أمام غرفة العناية المركزة في إحدى المشافي الحكومية، وجسدها كله يرتجف كغصن يواجه عاصفة قاسية. رائحة المطهرات تخنق صدرها، وأصوات الأجهزة الطبية المتداخلة كانت تضرب قلبها بالخوف مع كل ثانية تمر. كانت تراقب حركة الأطباء والممرضات بقلق مرعب، تلمح الوجوه المتجهمة والهمسات السريعة والنظرات التي تُخفى خلفها الحقيقة.

شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها، فتقدمت بخطوات مرتبكة نحو إحدى الممرضات، وتشبثت بطرف زيها الأبيض وهي تقول بصوت مرتعش يكاد يختنق:— لو سمحتي يا نرس... بالله عليكِ قولي لي في إيه بيحصل جوه؟ جوزي ماله؟ طمنيني. نظرت إليها الممرضة بحرج واضح، ثم أشاحت بعينيها سريعًا، وكأنها عاجزة عن مواجهة ذلك الرجاء المكسور في عيني فريدة.

قالت بصوت منخفض:— بصراحة... حالته مش مستقرة. بس إن شاء الله خير... ادعيله بس. كادت الكلمات تسقطها أرضًا، لكنها تماسكت بصعوبة حين شعرت بمجموعة صغيرة من الأيدي تلتف حولها. التفتت لتجد أبناءها يقفون خلفها كالعصافير المبتلة بالمطر.

كانت ابنتها الصغيرة تبكي بحرقة وهي تمسك بعباءتها قائلة: ماما... بابا هيموت؟ارتجف قلبها بعنف، لكنها انحنت بسرعة تحتضن الصغيرة إلى صدرها، ثم مدت يدها تضم بقية أبنائها حولها. كان أحد الصبيان يخفي دموعه محاولًا التظاهر بالقوة، بينما وقفت ابنتها الكبرى تبكي بصمت وقد احمر وجهها من شدة القهر.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AA

Ahmed Ashraf ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
14مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

سر ليلى... روايات

سر ليلى...

بعد 10 سنة.. لقيت حبيبتي الأولى ماشية في شارع ترابي وهي شايلة مرتبة على ضهرها وبنت صغيرة ج…

Ahmed Ashraf 0.0 33 دقائق
جوازة بالغلط روايات

جوازة بالغلط

حكايات إيمو...اتجوزنا بالغلطالجزء الأول: بداية الكارثة"فيه ناس بتدخل حياتنا صدفة... وفيه ن…

Ahmed Ashraf 0.0 38 دقائق
بقلم عفت بشندي روايات

بقلم عفت بشندي

الحلقه الاولي. بقلم عفت بشندي. جريت تقى على اوضتها… مش مصدقة اللى حصل معقول انها عا…

Ahmed Ashraf 0.0 43 دقائق