لكزته أمه بخفة في ذراعه وهي تقول بغيظ لطيف:_ اختك عايزة تطمن عليك يا عبيط، وإنت دبش كده ليه؟عقدت رهف حاجبيها ثم قالت بمكر وهي تضيق عينيها: _تصدق إنك رخم؟ وأنا اللي كنت هسأل ماما على العروسة بتاعتك وأقنعها بيها يا غتيت!نظر لها سامر بحدة مفاجئة، بينما ارتسم الصمت على وجه فريدة فور سماعها كلمات ابنتها.
شعرت للحظة أن هناك أمرًا يُخفى عنها، وأن أبناءها صاروا يتبادلون أسرارهم بعيدًا عنها. لكنها أخفت حزنها سريعًا خلف ابتسامة باهتة، وقالت بسخرية موجوعة:_ ههه... ماما إيه بس؟ هو بقى فيها ماما دلوقتي؟
شعرت رهف فورًا بأنها أخطأت حين رأت الحزن يمر سريعًا بعيني والدتها، بينما انسحب سامر من أمام الكاميرا متعللًا بأي حجة، هاربًا من الموقف حتى تنتهي المكالمة. تنهدت رهف ثم قالت محاولة تدارك الأمر:_ حبيبتي يا ماما، متزعليش نفسك... الأستاذ سامر كان حكالي أنا ونديم إنه مرتبط ببنت كويسة جدًا ومن عيلة محترمة، وكان ناوي يكلمك بنفسه، بس هو اللي غبي ومستعجل كعادته. تملكت فريدة نفسها بصعوبة، ثم قالت بحزن خافت: _ يعني خلاص.
.. بنت عمك اللي شرياك من صغرك يسيبها كده ويروح لواحدة إحنا منعرفش أصلها ولا فصلها؟قالت رهف محاولة تهدئتها: _يا ماما، هو اللي هيتجوز مش إحنا... سيبيه يجرب ويمكن تكون مناسبة ليه. ضحكت فريدة بسخرية موجوعة:_أسيبه يجرب؟! والبنت الغلبانة اللي مستنياه دي ذنبها إيه؟ دي راضية بظروفه ومطلبتش منه حاجة زي باقي البنات.
.. بس أقول إيه، ملوش نصيب في الطيب. أنهت حديثها مع ابنتها بالدعاء لها ولأحفادها، ثم أغلقت الهاتف ببطء، قبل أن تعود كعادتها تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، باحثة عن تلك العلامة الخضراء الصغيرة التي تدل على وجود أحد أبنائها متصلًا الآن، فتطمئن لمجرد رؤيتها.
ولأن لا أحدًا منهم لم يكن متواجدًا، بدأت ترسل إليهم بعض الصور المحملة بالأدعية والعبارات الدينية التي تحفظها على هاتفها. كانت تتفنن في جمع تلك الملصقات والرسائل، وتستخدمها يوميًا للتواصل مع صديقاتها وجاراتها، نساء يشبهنها كثيرًا، يجمعهن فراغ الوحدة ويحاولن الهروب منه داخل هذا العالم الإلكتروني البارد. وبعد أن نشرت دعاءها اليومي على صفحتها الخاصة، أغلقت هاتفها واتجهت نحو غرفة سامر، الذي هرب سريعًا إلى غرفته فور انتهاء المكالمة.
وقفت أمام الباب ثم قالت بعتاب هادئ: _ ها يا أستاذ... مش ناوي تفهمني إيه الكلام اللي كانت أختك بتقوله ده؟زفر سامر بضيق، فقد كان يعلم أن موقفه لا يُحسد عليه. صحيح أنه لم يتقدم رسميًا بعد، لكنه أخفى عنها الأمر طويلًا، وهو يعرف جيدًا مدى تعلقها بفكرة زواجه من ابنة عمه.
قال بخجل: _حاضر يا ماما... هقولك على كل حاجة. لكنها قاطعته سريعًا:_ الأول قوم صلي فرض ربنا، وأنا هعملك حاجة تفطر بيها وبعدها نتكلم. أومأ برأسه مطيعًا، ثم توجه إلى المرحاض ليتوضأ، قبل أن يقف للصلاة وقلبه ممتلئ بالتوتر.
دعا الله في سجوده أن يلين قلب أمه ويمنحه رضاها. بعد انتهائه، خرج ليجدها قد أعدت له كوبًا من الشاي بالحليب وبعض المعجنات الساخنة التي يحبها. جلست تنتظره بصمت، بينما هو يدرك أن الحديث القادم لن يكون سهلًا. جلس بجوارها، ثم قال بخزي واضح: _ ماما.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.