كانت تشعر أن العالم كله انهار فوق رأسها في تلك اللحظة. صرخت باسمه وهي تهزه: _ أبو كمال!... رد عليا... بالله عليك رد عليا! هتسبني وتسيب ولادك لمين؟صرخات وعويل ولا تجد صوت سوى صراخ الأبناء الذين يبكون ويناشدون أباهم بالعودة من أجلهم. لكن الروح كانت قد صعدت إلى بارئها، تاركة خلفها امرأة تحطم قلبها، وشابًا أُلقيت فوقه مسؤولية عمر كامل فوق عمره، وأطفالًا لم يفهموا بعد لماذا اختفى الأمان من حياتهم فجأة.
ومنذ تلك الليلة... لم تعد فريدة كما كانت أبدًا. في ليلة واحدة فقط، وجدت نفسها مطالبة أن تكون الأم والأب، السند والقوة، والكتف الذي يحتمي به الجميع رغم أنها كانت أكثرهم انكسارًا. فتحت عينيها أخيرًا وعادت إلى واقعها، بينما دمعة ساخنة انزلقت فوق وجنتها بصمت، وكأن السنوات الطويلة لم تستطع أبدًا أن تمحو وجع تلك الليلة.
عودة إلى الحاضر...وقفت فريدة في اشتياق أمام صورة فوتوغرافية كبيرة تحتل واجهة غرفة المعيشة، تلك الغرفة التي أصبحت عالمها الخاص ومقرها الدائم، تقضي فيها أغلب أوقاتها تستعيد ذكرياتها معه؛ ذلك الزوج الذي كان خير أنيس وجليس، ورفيق رحلة عمر طويلة تشاركا خلالها تربية الأبناء، وعاشا معًا حلو الحياة ومرارتها. وبرغم ما مرّا به من أزمات ومشكلات، ظل دائمًا السند الحقيقي لها، حتى لاقى لقاء ربه منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.
رحل وتركها تجاهد وحدها مع الأبناء، فلم يحضر من أفراحهم سوى زفاف ابنهما الأكبر كمال، وابنتهما ابتهال. وبعد رحيله، ساندت هي ابنها الأوسط رأفت حتى أتم زواجه، ثم ابنتها الصغرى رهف، وها هي اليوم تجاهد مع ابنها الأخير السامر، وقلبها يتمنى أن تفرح بزواجه هو الآخر، غير عابئة بما تشعر به من هجرٍ وبُعد، فما دام سيكون بخير فذلك وحده يكفيها.
أنهت قراءة بعض آيات القرآن، وأتبعتها ببعض الأدعية والأذكار، ثم اتجهت نحو أريكتها المفضلة لتستريح قليلًا قبل أن تبدأ يومها المعتاد.
نهضت بعد ذلك لتصنع فنجانها اليومي من الشاي الممزوج بالحليب، محاولة أن تكبت داخلها حزنها الدفين ولوعتها مما اقترفه أبناؤها في حقها. لم تكن تتخيل يومًا أن تصل علاقتها بهم إلى هذا الجفاء، وظلت تتساءل بألم: ماذا فعلت حتى يعاملها أولادها بكل هذا البعد؟ربما ـ كما كانت تظن ـ تهاونت كثيرًا في حقوقها كأم، حتى غلبت عليهم الأنانية، وأصبحت مصالحهم الشخصية أهم من مكانتها في حياتهم.
كانت دائمًا تمنح دون حساب، وتسـامح دون عتاب، وتؤثر راحتهم على راحتها، حتى اعتاد الجميع وجودها كأمر ثابت لا يحتاج إلى اهتمام أو سؤال.
استغفرت ربها سريعًا، ودعت لهم بالهداية، فقلبها أبى أن يدعو عليهم رغم قسوتهم، وغلبت عاطفة الأمومة كل ما تشعر به من حزن وخذلان. جلست تستعيد بذاكرتها أحداث الأمس، حين استقبلت يومها بسعادة كأي أم في يوم عيدها، وظنت ـ ولو للحظة ـ أنها ستنعم بيوم مليء بالدفء بقرب أبنائها، فقد كانت تشتاق بشدة لاجتماعهم حولها في مثل هذا اليوم.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.