أولاد فريدة ١

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

_ يا أمي... يا ست الكل! فينك يا حبيبتي؟فتجيبه بحب فور سماعها صوت الباب: _ أنا أهو يا روح ماما... حمد لله على السلامة يا نور عيني. إنت مش هتبطل جنانك ده؟ عامل زي العيل الصغير. ثم تضحك قائلة:_ هتعمل إيه لما تتجوز وتسيبني؟

كان يضحك بصوته العالي الذي يملأ البيت حياة، بينما تقف هيام في المطبخ تستمع إليهما بابتسامة خجلة، تتمنى في سرها أن تصبح يومًا زوجته بالفعل. فيجيب سامر بثقة ومحبة:_ أنا عمري ما هسيبك يا ست الكل... وبعدين ما إنتِ عارفة اللي فيها.

فتبتسم فريدة برضا وهي تقول:_ أيوه طبعًا عارفة... وراضية ومباركة ارتباطكم. بس هي تخلص دراستها وإنت تتثبت في شغلك، وأنا هتمم كل حاجة بسرعة. وكمان ليك عليا أجيبلك الشبكة وأساعدك باللي أقدر عليه. كانت حياتهم مليئة بالمودة والصداقة. كان سامر يحكي لها كل تفاصيل يومه، يستشيرها في الصغيرة قبل الكبيرة، ويجلس بجوارها بالساعات يمازحها ويشكو لها تعبه وأحلامه.

لكن شيئًا ما تغيّر تدريجيًا ،بدأ يبتعد، ينشغل بهاتفه طويلًا، يخرج كثيرًا، ويتهرب من الحديث عن هيام كلما فتحت والدته الموضوع. حتى ضحكاته القديمة خفتت، وصار يعود إلى البيت متجهمًا، يدخل غرفته سريعًا دون جلساته المعتادة معها.

وكانت فريدة تشعر بذلك التغير، لكنها كانت تخشى مواجهته خوفًا من أن تسمع الحقيقة التي تؤلمها. أما هيام...فكانت الأكثر تيهًا بينهم جميعًا. تنتظر كل يوم تلك النظرة القديمة منه، تلك اللهفة التي اعتادت رؤيتها في عينيه، لكنه صار يعاملها ببرود غريب، كأن السنوات التي جمعتهما تبخرت فجأة. كانت تتساءل كل ليلة: لماذا تغيّر؟وهل أخطأت في شيء دون أن تشعر؟

لكنها، وبرغم كل ذلك، كانت ما تزال تنتظره. تنتظر أن يعود كما كان. تنتظر أن يخبرها أن كل ما يحدث مجرد سحابة وستمر. أما فريدة، فكان قلبها يتمزق بين ولدها الذي تخشى خسارته، وبين تلك الفتاة البريئة التي كبرت على أمل أن تصبح يومًا زوجته. فهل يعود سامر إلى رشده؟

أم أن الطريق الذي اختاره سيأخذه بعيدًا عن الجميع؟وهل تتحمل هيام صدمة انهيار الحلم الذي عاشت تبنيه سنوات طويلة؟أسئلة كثيرة بقيت معلقة داخل القلوب، بينما الأيام وحدها تملك الإجابة على تلك الأسئلة التي حيرت قلوب الجميع دون فهم لما يدور بينهم.

في بعض الأحيان لا تكون المسافات الحقيقية هي تلك التي تفصل بين الأماكن، بل تلك التي تنمو فجأة داخل القلوب دون إنذار. فالكلمات الباردة قادرة على أن تهدم أعوامًا كاملة من الألفة، ونظرة واحدة جافة قد تترك في النفس وجعًا يفوق ألف عتاب.

وبين صمتٍ ثقيل يخفي الأسرار، وقلوبٍ تحاول التظاهر بأن كل شيء على ما يرام،
كانت السيدة فريدة تراقب التغير الذي أصاب ابنها بقلقٍ يمزق قلب أمٍ اعتادت أن ترى أبناءها مصدر دفئها وسعادتها.

أما هيام، فقد وجدت نفسها عاجزة عن فهم ذلك التحول المفاجئ في معاملة سامر لها، بعدما كان الأقرب إليها والأكثر حرصًا على وجودها. وفي منزلٍ بسيط تمتلئ أركانه بأحاديث الجيران، ورسائل الأبناء المتباعدة، وهموم الحياة اليومية، كانت المشاعر المختبئة خلف الابتسامات أصدق من أي كلمات تُقال، وكأن الجميع يحاول النجاة بطريقته الخاصة من ثقل ما يشعر به.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AA

Ahmed Ashraf ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
14مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

سر ليلى... روايات

سر ليلى...

بعد 10 سنة.. لقيت حبيبتي الأولى ماشية في شارع ترابي وهي شايلة مرتبة على ضهرها وبنت صغيرة ج…

Ahmed Ashraf 0.0 33 دقائق
جوازة بالغلط روايات

جوازة بالغلط

حكايات إيمو...اتجوزنا بالغلطالجزء الأول: بداية الكارثة"فيه ناس بتدخل حياتنا صدفة... وفيه ن…

Ahmed Ashraf 0.0 38 دقائق
بقلم عفت بشندي روايات

بقلم عفت بشندي

الحلقه الاولي. بقلم عفت بشندي. جريت تقى على اوضتها… مش مصدقة اللى حصل معقول انها عا…

Ahmed Ashraf 0.0 43 دقائق