لكنها ضحكت بسخرية موجوعة حين تذكرت كم كانت ساذجة وهي تنتظر ذلك. تنهدت بألم، ثم نظرت إلى هاتفها القابع بجوارها، والذي أصبح أنيسها الوحيد ونافذتها على العالم الخارجي.
تقضي أغلب يومها ممسكة به، تتنقل بين صفحات أبنائها على مواقع التواصل الاجتماعي، فقط لتشعر أنهم ما زالوا قريبين منها. حتى تطبيق الواتساب أصبح عالمها الخاص، تتجول بين أرقامهم وصورهم وحالاتهم اليومية، تطمئن عليهم بصمت، مكتفية بمعرفة أنهم بخير. كانت أحيانًا تفتح صورهم القديمة لساعات، تتأمل وجوههم حين كانوا صغارًا، وتبتسم بحنين وهي تتذكر شجارهم وضحكاتهم والتفافهم حولها.
كانت تتوقف كثيرًا أمام صورة تجمعهم جميعًا في أحد الأعياد القديمة، يومها كان البيت ممتلئًا بالحياة، وكانت هي تشعر أن الدنيا بأكملها داخل جدران منزلها الصغير.
أما الآن، فقد صار الصمت هو الضيف الدائم. فرت دمعة حبيسة من عينيها، فمسحتها سريعًا بباطن كفها فور شعورها بحرارتها، ثم سحبت شهيقًا طويلًا محاولة استعادة تماسكها، قبل أن تعود بذاكرتها مرة أخرى إلى يوم مضى...عودة إلى يوم مضى...استيقظت فريدة مع أذان الفجر، فتوضأت وأدت فرضها بخشوع، ثم جلست تتمتم ببعض الأدعية والآيات القرآنية، قبل أن تبدأ وردها اليومي بالدعاء لأمواتها الذين رحلوا عنها واحدًا تلو الآخر؛
أمها، وأبيها، وزوجها، وأخوها الأكبر. جميعهم تركوها وحيدة، رغم أنها محاطة بخمسة أبناء، لكنها كثيرًا ما شعرت أنها غريبة في عالمهم، بعدما انغمس كل واحد منهم في حياته الخاصة.
كان البيت هادئًا بصورة مبالغ فيها، حتى صوت عقارب الساعة بدا واضحًا داخل السكون. نظرت حولها إلى الأثاث المرتب بعناية، وإلى الطاولة التي كانت يومًا تمتلئ بأصوات أبنائها، ثم تنهدت وهي تردد:_ الحمد لله على كل حال. قطع شرودها صوت رنين هاتفها معلنًا عن اتصال مرئي من ابنتها الصغرى رهف، تلك الابنة التي فرضت عليها الغربة الابتعاد عن أمها بعد انتقالها مع زوجها إلى إحدى الدول العربية.
وبرغم المسافات، ظلت رهف الوحيدة التي تحرص دائمًا على التواصل معها والسؤال عنها.
التقطت فريدة الهاتف بابتسامة واسعة، وضغطت زر القبول، لتظهر أمامها صورة طفلين جميلين يرددان بفرح أغنية وردة الشهيرة:_ كل سنة وإنتِ طيبة يا مامتي... وبعودة الأيام...ابتسمت فريدة بسعادة حقيقية، وشاركت حفيديها التوأم ريم وكريم الغناء بصوت ممتلئ بالحنان: — يا حبايبي يا حلوين.
.. يا طعمين... يخليكم لماما وبابا طول السنين. ضحك الطفلان بعفوية، بينما كانت هي تتأملهما وكأنها تحاول أن تعوض قربهما من خلف الشاشة الصغيرة. لم تكن تحفظ كلمات الأغنية جيدًا، لكنها أرادت فقط أن تشاركهما فرحتهما، وأن تشعر للحظات أن البيت عاد حيًا من جديد.
ظهرت رهف بعدها على الشاشة، فازدادت ابتسامة فريدة اتساعًا وهي تقول بلهفة:_ حبيبة ماما... وحشتيني أوي يا نور عيني. قابلتها رهف بحنين مماثل، تخفي خلفه دموعًا كادت تنساب:_ وإنتِ كمان يا أمي وحشتيني أوي... كل سنة وإنتِ طيبة يا أجمل أم في الدنيا._ وإنتِ طيبة يا قلبي.
.. وفرحانة بحبايبي دول. أخبارك إنتِ ونديم إيه؟أجابتها رهف بحب:_ الحمد لله كويسين... بس إنتِ عارفة نديم، بيخرج من الصبح ومبيرجعش غير بعد العشا. قالت الأم بحنان:_ ربنا يعينه ويوفقه يا حبيبتي... وإنتِ خلي بالك من نفسك ومن الولاد. لازم الزوجة تكون سند لجوزها، خصوصًا في الغربة.
تنهدت رهف بيأس وهي تعدل حجابها:_ عارفة يا ماما... بس أنا تعبت. إحنا هنا غرب، والولاد بينزلوا المدرسة وأنا بقعد لوحدي بالساعات. مبقتش قادرة على الوحدة، وهو كمان مبيحبش الاختلاط بحد. شعرت فريدة بألم ابنتها، فهي تعرف جيدًا معنى الغربة والوحدة، حتى وإن كانت داخل وطنها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.