زفر بضيق، ثم قال بخجل وهو يخفض عينيه:_ حاضر يا ماما... هقولك على كل حاجة. أنا فعلًا غلطت لما خبيت عليكي. قاطعته هي بهدوء متماسك، رغم النار المشتعلة داخل صدرها:_ قوم صلي فرض ربنا الأول... وأنا هعملك حاجة تفطر بيها، وبعدها نتكلم براحتنا.
هكذا هو قلب الأم دائمًا...ينكسر، ثم يحنّ. يغضب، ثم يحتوي. أومأ سامر برأسه في طاعة، ثم توجه إلى المرحاض ليتوضأ، بينما الخجل واضح فوق ملامحه. وقف يصلي بخشوع، يدعو الله أن يلين قلب أمه، وأن يرزقه رضاها فيما ينوي فعله.
وحين انتهى، بدّل ملابسه وخرج إلى غرفة المعيشة، ليجد والدته قد أعدت له كوبًا من الشاي بالحليب، وبعض المعجنات الساخنة التي يحبها. جلست أمامه بصمت، تراقبه وهو يأكل، بينما عقلها غارق في ألف سؤال. قالت بهدوء:_ اتفضل... كل قبل ما الشاي يبرد.
تناول إحدى المعجنات بصمت، ثم ارتشف قليلًا من الشاي، بينما داخله يتمنى انتهاء هذا الموقف الثقيل الذي وضعته رهف فيه دون قصد......في مكان آخر...كانت هناك فتاة رقيقة تقف أمام مرآتها الصغيرة، تعدل حجابها بعناية، بينما قلبها ممتلئ بالقلق.
همست لنفسها برجاء:_ يا رب ألحق أشوف سامر قبل ما ينزل... معرفش إيه اللي جرى له. بقى بيتهرب مني، بعد ما كان بيتعمد يتأخر مخصوص علشان يقابلني، ياريته كان صريح معايا ويقولي ماله؟. وسرعان ما انسحبت ذاكرتها إلى الماضي...عودة إلى ما قبل عام..._ صباح الخير على الجميل بتاعنا. قالتها فريدة بحبور وهي تستقبل هيام، تلك الفتاة الرقيقة التي أحبتها كما لو كانت ابنتها.
ابتسمت هيام بخجل، بينما عيناها تبحثان تلقائيًا عن باب غرفة سامر: _ صباح الورد عليكي يا ست الكل... قلت أعدي عليكي قبل الامتحان علشان تدعيلي، أصل المادة صعبة أوي ومنيمتنيش طول الليل. وما إن أنهت كلماتها حتى خرج صوت سامر من خلف باب غرفته: _ بقى الهانم سهرانة طول الليل تذاكر؟ ولا ماسكة الفون بس؟ابتسمت هيام بخجل وهي تهمس:_ وعلى أساس إني كنت لوحدي ماسكة الفون؟ ما كنت براجع مع أستاذي المحترم.
.. وأظن حضرتك عارف كل حاجة. اقترب سامر منها بنظرة ممتلئة بالعشق، فهو أحبها منذ كانت صغيرة تكبر أمامه يومًا بعد يوم. قال بهدوء:_ طبعًا عارف... وفي حد غيري أصلًا يعرف عنك أي حاجة؟تدخلت فريدة بينهما وهي تنظر لهما بمشاكسة:_ جرى إيه يا واد إنت وهي؟! اعملوا حساب إني واقفة... ولا معتبرني طرطور؟ثم أكملت بحزم خفيف:_ يلا يا بيه على شغلك... وإنتِ يا قمر روحي امتحانك، وسيبوا الرغي لبعد الامتحانات.
ضحك سامر وهو يقول:_حاضر يا ريدة... هنأجل كل حاجة لبعد الامتحانات. ثم التفت إلى هيام قائلًا:_ يلا أوصلك في طريقي علشان متتأخريش. ابتسمت فريدة برضا وهي تراهما معًا. كانت ترى في هيام الزوجة المثالية لابنها، وكيف لا؟ وهي التي ربّتها بيديها بعد وفاة والدتها، وكبرت وسط أولادها كواحدة منهم. قالت بنظرة تشجيع مفعمة بالحنان:_ روحي معاه يا هيام.
.. بس خدي بالك وإنتِ راكبة على الموتوسيكل. ضحكت هيام بخفة:_حاضر يا ست الكل... دعواتك لينا. خرج الاثنان وسط نظرات فريدة الراضية، وهي تدعو الله أن تكتمل حكايتهما على خير.— يلا يا قمر... اركبي علشان منتأخرش. قالها سامر وهو يشغل دراجته البخارية، ثم أعطاها الخوذة الخاصة بها. جلست خلفه بخجل، وقالت:_ قمر بالستر يا ابن عمي... طول عمرك بتحب تجاملني. ضحك وهو يقود الدراجة:_ أنا مبعرفش أجامل على فكرة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.