قالها بنبرةٍ أخف قليلًا، لكنها لم تمحُ أثر جفائه السابق. تنهد زافرًا، ثم توجه للخارج وهو يتلاشى النظر بعيدًا عن ابنة العم التي كادت أن تبكي جراء معاملته الحادة والجافة معها.
أما هي، فتوجهت بخطواتها نحو تلك القابعة على الأريكة في حزنٍ يكسو ملامحها ويثقل جسدها، حتى بدت عاجزة عن التعبير أو الحركة. كانت حالتها وحدها كفيلة بوصف ما تعانيه دون كلمات، مما دفع هيام لمحاولة الاستفسار عن حالتها، وعن السبب الحقيقي وراء تغير سامر معها، فمن الواضح أن أمه تعاني من الألم ذاته الذي تعانيه هي أيضًا.
اقتربت منها وجلست بجوارها مردفةً بحنو واستفهام:— في إيه يا ماما؟ مضايقك قوي... وماله سامر مزعلك في إيه؟ثم أكملت مستطردة قبل أن تجيبها الأخرى:— وياريت متقوليش مفيش حاجة... أنا متأكدة إنك زعلانة منه في حاجة زيي بالظبط. هو متغير بقاله فترة كبيرة، وبقى بعيد عن الكل. حركت فريدة رأسها في ألم، تحاول دون جدوى إخفاء حزنها، فلابد أن تخبر تلك الرقيقة التي تؤازر وحدتها الآن:ـ طب روحي هاتي طلبات البيت عندكم، ولما تيجي هحكيلك على كل حاجة يا حبيبتي.
.. أصله موضوع كبير، ومينفعش أخبي عليكي. أومأت هيام برأسها بإيماءةٍ متفهمة، ثم لبت طلبها بالفعل وتوجهت سريعًا لقضاء ما تريد، ففضولها بات يلتهمها، تريد معرفة ما يخفيه ابن عمها داخل نفسه، وفي الوقت ذاته تشفق على حال أمها البديلة وما تعانيه. جلست فريدة تستكمل جولتها عبر تطبيق الفيس بوك والواتس آب، تتلقى إشعاراتٍ تفيد بقراءة أبنائها للرسائل التي تحمل الأدعية والصور الدينية التي اعتادت إرسالها لهم كل صباح.
لكن اليوم كان مختلفًا قليلًا...أرسل لها ابنها رأفت مقطعًا لإحدى الأغاني التي تتحدث عن الأم، وأخبرها في رسالة قصيرة أنه سيأتي لزيارتها كما اتفق معها سابقًا.
بينما أرسل كمال صورة تحتوي على دعاء جميل للأم. أما ابنتها ابتهال، فقد بعثت لها رسالة صوتية تقول فيها:ـ آسفة يا ماما، مش هعرف أجيلك بدري النهارده... هستنى محمد ييجي يقعد مع مامته، وأنا هجيب الولاد ونجيلك على طول. ابتسمت فريدة بسخريةٍ ممزوجة بالأسف، وحركت رأسها وهي تردد بحزن:— استغفر الله العظيم.
.. بقى حتى مش هاين عليكي يا ابتهال تكلّميني في التليفون؟ تبعتيلي رسالة وخلاص؟ يعني جوزك يحكم عليكي متزورنيش وهو مبيسبش أمه، وأنتِ إيه... ملكيش أم؟ يالله... ربنا يسامحه ويسامحك يا بنتي.. مش عارفه حظي وحش معاكم كده ليه يا ولادي؟!.
ارتفع رنين الجرس الخاص بالمنزل مجددًا، فنهضت متوجهة لفتح الباب وهي تردف بهدوء:— أيوه يا اللي بتخبط، أنا جاية أهو. ليقابلها صوت إحدى جاراتها من الخارج:ـ افتحي يا خالتي، أنا أم محمود. فتحت الباب وهي تقول بحفاوة صادقة:ـ أهلًا أهلًا، اتفضلي يا غالية... عاملة إيه؟أجابتها الأخرى بابتسامةٍ ودودة:ـ الحمد لله، إنتِ اللي عاملة إيه يا خالتي فريدة؟
أنا جبتلك العيش وأنا بجيب لينا. ثم استطردت بعدما وضعت الحقيبة البلاستيكية التي تحتوي على بعض أرغفة العيش المدعم:ـ وآه، قبل ما أنسى... حماتي بتسلم عليكي، وبتقولك الجمعية الجديدة هتبدأ أول الشهر، تعملي حسابك معانا؟
أجابتها فريدة بلهفةٍ وحماس:ـ تصدقي حماتك دي بنت حلال... قوليلها تعمل حسابي، بس تدهاني في الأوائل لحسن محتاجاها علشان أساعد بيها سامر. تحدثت الأخرى بودٍ مماثل:ـ من عيني يا خالتي، هبلغها... بس فرحيني، هو خلاص قربتي تجوزيه؟ يعني خطبتوله ولا لسه؟زفرت فريدة بخفوت، ثم قالت بأملٍ حذر:ـ دعواتك.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.