أما كمال... فكان واقفًا بعيدًا قليلًا، جامد الملامح، شاحب الوجه، ينظر نحو باب العناية المركزة وكأن روحه معلقة خلفه. لم يكن قد تجاوز العشرين من عمره، ومع ذلك بدت فوق كتفيه فجأة أثقال عمر كامل.
مسحت فريدة دموعها سريعًا، ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا: ادعوا لبابا يا ولاد... بابا قوي وهيقوم. لازم نكون أقوى عشانه. لكن صوتها نفسه كان يرتجف من الداخل. مرت الدقائق ثقيلة كأن الزمن توقف تمامًا. كل ثانية كانت تعصر قلبها أكثر.
كانت تتذكر ضحكاته، صوته وهو يناديها، جلسته المعتادة وسط أولاده، وشكواه الدائمة من تعب العمل، ثم تعود لتنظر لذلك الباب المغلق فتشعر برعب لم تعرفه طوال حياتها. وفجأة خرجت ممرضة مسرعة تنظر حولها قبل أن تقول: ــ مدام فريدة.
.. جوز حضرتك عايز يشوفك إنتِ وابنه كمال. شعرت أن الدم انسحب من وجهها دفعة واحدة. نظرت إلى كمال الذي تجمد مكانه، ثم أمسكت يده بقوة وكأنها تستمد منه الشجاعة، واتجهت معه نحو الغرفة. ما إن دخلت حتى شعرت أن قلبها انكسر. كان زوجها ممددًا فوق السرير، وجهه شاحب بصورة موجعة، وأنفاسه متقطعة بصعوبة، بينما تحيط به الأجهزة من كل جانب.
لم يكن ذلك الرجل القوي الذي عرفته طوال عمرها، بل بدا كمن أنهكته الحياة تمامًا. اقتربت منه بسرعة، وانحنت تمسك كفه البارد بين يديها وهي تقول وسط دموعها: _ ألف سلامة عليك يا حبيبي.
.. إن شاء الله هتقوم لينا بالسلامة. فتح عينيه بصعوبة ونظر إليها طويلًا، نظرة ممتلئة بحزن ووداع لم تستطع احتماله. ثم قال بوهن: _معلش يا فريدة... تعبتك معايا..حقك عليا. انفجرت بالبكاء وهي تهز رأسها بقوة: _ متقولش كده يا أبو كمال... إنت عمرك ما تعبتني. دا إنت السند وشريك العمر كله... وربنا هيشفيك وترجع لينا.
ابتسم ابتسامة باهتة موجوعة، ثم قال بصوت متقطع: _ كان نفسي أفضل جنبكم... بس أمر ربنا مفيش منه مفر. شهقت وهي تضغط على يده أكثر: _ لا... متقولش كده... بالله عليك متقولش كده. لكن عينيه كانتا تخبرانها بالحقيقة التي يهرب منها الجميع. التفت بعدها بصعوبة نحو كمال، الذي وقف عاجزًا عن الاقتراب، وكأن قدميه فقدتا القدرة على الحركة. أشار إليه الأب بضعف: _ تعالى يا كمال. اقترب الشاب أخيرًا، وعيناه ممتلئتان بالدموع التي حاول عبثًا منعها.
نظر الأب إليه طويلًا، ثم قال: _ خلي بالك من أمك... إخواتك البنات أمانة في رقبتك... والصبيان خليك ليهم أب قبل ما تكون أخ. أومأ كمال برأسه سريعًا، لكنه لم يستطع الكلام. شعر وقتها أن طفولته انتهت فجأة في تلك الغرفة الباردة.
في لحظة واحدة فقط صار مطالبًا أن يحمل بيتًا كاملًا فوق كتفيه. رفع الأب يده المرتجفة وربت بها على ذراع ابنه بصعوبة، ثم عاد ينظر إلى فريدة نظرة أخيرة طويلة، كأنه يحاول حفظ ملامحها داخل قلبه قبل الرحيل.
كانت أنفاسه تزداد اضطرابًا، وصوت الأجهزة يعلو بصورة مخيفة. همست فريدة وهي تبكي بانهيار: _ متسبنيش يا حاج... بالله عليك متسبنيش لوحدي. حاول الرد، لكن الكلمات خرجت متقطعة ضعيفة، ثم بدأت شفتاه تتحركان بالشهادة.— أشهد أن لا إله إلا الله... وأشهد أن محمدًا رسول الله...وبعدها... ساد الصمت. صمت ثقيل مرعب..تبدلت أصوات الأجهزة فجأة، واندفع الأطباء إلى الداخل بسرعة، بينما تجمدت فريدة في مكانها تحدق فيه بعينين فارغتين.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.